الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
11
نفحات القرآن
جمع الآيات وتفسيرها ليس كمثله شيء : تُشير الآية الأولى إلى حالة المشركين الذين كانوا يُحرّفون أسماء اللَّه التي كانت تبيّن صفاته ، وتحذّرهم من هذا العمل : « وَللَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى » أسماءٌ تعكس صفاته كما هي : « فَادُعُوهُ بِهَا وَذَرُوْا الَّذينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمائِهِ » . « إلحاد » : و ( لَحْد ) على وزن ( مَهْدْ ) ، بمعنى الانحراف عن حد الإعتدال ( الحد الوسط ) إلى أحد الجانبين ، وسمِّي ( اللّحد ) الذي يحفر في القبر بهذا الاسم لأنّه يُحفَرُ في أحد جانبي القبر لتوضع الجنازة فيه حتى لا يصلها التراب الذي يُهال على القبر « 1 » . وأمّا معنى « الالحاد في أسماء اللَّه تعالى » في هذه الآية ، فالكثير من المفسّرين يرون بأنّه ذو مفهومٍ عام يشمل ثلاثة أمور : الأول : هو أنّ المشركين كانوا يشتقّون أسماء أصنامهم من أسماء اللَّه كاللات والعزّى ومناة التي كانوا يعتقدون بأنّها مشتقّة من كلمة اللَّه ، والعزيز ، والمنّان على الترتيب . الثاني : هو أنّه ينبغي أن لا يُدعى اللَّه بالأسماء التي لا يرتضيها لذاته ولا تليق به عزّ وجلّ أو مشوبة بالنقائص والعيوب الخاصّة بالممكنات ( المخلوقات ) مثل كلمة أب التي أطلقها المسيحيّون على اللَّه تعالى . الثالث : أن لا يُسمّى اللَّه بالأسماء المبهمة . وبتعبيرٍ آخر فإنّه لا يجوز تشبيه اللَّه بما سواه ولا تعطيل فهم صفاته ولا تسمية من سواه بأسمائه عزّ وجلّ . كل ذلك يُشير بصورة واضحة إلى وجوب ملازمة جانب الاحتياط التام في بحث صفات اللَّه والحذر من تسميته ووصف ذاته المقدّسة بأسماء وصفات هي من شأن الموجودات الناقصة . لذا فقد اعتقد الكثير من العلماء بأنّ أسماء اللَّه توقيفيّة ، أي لا يُمكن وصفه وتسميته إلّا
--> ( 1 ) مقاييس اللغة ؛ ومفردات الراغب .